مقالات

كاتيا عباسي تكتب: طين أنا

katiaأخبار الأردن-نبراس نيوز- بقلم كاتيا عباسي..القرن الواحد والعشرين حمل معه عواصف شديدة غيرت العالم بصورة دراماتيكية مثيرة للجدل. ففجأة ظهرت مفاهيم ومعتقدات لم تكن مستساغة أو مقبولة في القرن الذي سبقه وحتى المشهد السياسي تغير وشهد موجات ليس بالضرورة نحو الاتجاه الافضل، لكن يكفي أن أصبحت جملة من حقي أن أعبر عن نفسي وأحكي الي بدي إياه مطلب شرعي وحق إنساني.

حيث أن قبل عشرين عام وهذا ليس زمن ببعيد كان الشخص إن أراد أن يقول رأي مخالف للتوجه العام أو خارج إطار العادات والتقاليد يخفض صوته ويلتفت حوله ويقول ما يقول بسرعة قد تسبق الضوء أحياناً واليوم مع وجود منصات التواصل الاجتماعي أضحى أي شخص في أي مكان على هذه الارض يقول ما يقول دون تفكير لبضع ثواني وبدون أي اعتبار لأي قيمة اجتماعية أو أخلاقية في بعض الاحيان وأصوات الشعوب أضحت تعلو مطالبة بحرية وديمقراطية وعدالة اجتماعية. الناس أضحت تبحث وتريد حياة أفضل وأحسن ومستقبل متفائل لها ولأولادها. وفي خضام هذا التغير الذي يعصف على كل جنب وطرف، الشعوب أضحت مشغولة بالسياسة والاقتصاد ونسيت أهمية الترابط الاجتماعي والتكافل الاسري والعلاقات الانسانية.

في هذا العالم المتغير بسرعة والتطور التكنولوجي المتسارع وصراع البقاء الذي تحول من حروب استعمارية الى حروب اقتصادية شرسة، صرنا مشغولين بالتفكير بالاصلاح الاقتصادي والسياسي ووضعنا الاصلاح الاجتماعي على الرف. الاصلاح الاجتماعي مهم وقد يكون الاهم لأن الانسان ومحيطه هو نواة أي إصلاح وهو المحرك نحو السلم أو الحرب. وفي خضام ما يحدث نسينا أن أعظم ما قد تمتلك ورأس مالك الباقي هو مجتمعك وناسك، وفي ظل المطالبات بحقوق المرأة والاقليات نسينا أن المرأة كانت وستبقى عماد المجتمع وصانعة الاجيال، وفي ظل المطالبة بالتعليم المبني على أسس حديثة نسينا أن الأسرة لطالما كانت المدرسة الاولى ومنبع الاخلاق. أرى اليوم أن الكراهية تزداد والحقد الطبقي متأصل ومستوى العنصرية مرتفع والمصالح الشخصية هي الحد الفاصل بين الناس وبدي إلي عند جاري وماحدى عاجبه العجب ونَعيبُ زَمانَنا وَالعَيبُ فينا وَما لِزَمانِنا عَيبٌ سِوانا وَنَهجو ذا الزَمانِ بِغَيرِ ذَنبٍ وَلَو نَطَقَ الزَمانُ لَنا هَجانا (الإمام الشافعي).

المجتمع السليم المبني على أسس المعايشة والمشاركة ومحبة الجار للجار وفزعة الحارة عامود أساسي لأي إصلاح. السيارة الي راكبها والبيت الي ساكنه وعمليات التجميل والماركات والمقتنيات ما بتحدد هويتك. الغناء المادي ليس بمعيب ولا بأمر سيء ولكن من متى بطلنا نأمن انو الرزق على الله واسعى يا عبد وأنا بسعى معك، ومنذ متى أصبح كل فرد منا يعتقد بأنه الافضل والاحسن وصار المثل الي بقول يا أرض انهدي ما عليك قدي شعار يعلو في الواقع فوق شعار الحريات والاصلاح الاقتصادي. لأن الاصلاح ليس شعار يرفع بل الاصلاح يبدأ على أرض الواقع لو بخطوات بسيطة وحقيقية. صدقني العقل هو من يدمر شعب ويرفع آخر. المجتمع بحاجة الى العودة الى مفاهيم عريقة وعظيمة تربينا عليها وثم رميناها. اليوم حتى مفهوم الجمال تغير والجمال صار يقاس بعدد عمليات التجميل والنفخ وغيره ونسينا أنه مهما تجمل الخارج أنت أنت شو بدو يغيرك. متى الانسان سيدرك أنه مخلوق من تراب وإليه يعود ومهما نسيت هذه الحقيقة الموت مابنسى حدى. الحياه أقصر من أن تصرف على المظاهر وأقصر من أن تصرف الوقت في بناء المصالح. العمر في كل دقيقة منه سطر يكتب لن يمحى ولن يعاد، وأحياناً بل أغلب الاحيان نعتقد بأننا باقون ولن يبقى سوى تراب الوطن وأشجار الزيتون والدحنون.

ففي هذه الجولة من المطالبات أرجوكم أضيفوا الى قائمة المطالب الشعبية الاصلاح الروحي والاجتماعي، اهتموا بأن تعملوا أولادكم أن الحياة أكبر منا وأنها نعمة يجب المحافظة عليها وأن الحب أعظم المشاعر الانسانية وأن الموت يقف منتظراً عند أحد المنعطفات وقادم لا محالة. عملوا أولادكم أن فراق الاحبة  شكل آخر من أشكال الموت. وأحلى شعور في هذه الدنيا عندما يفصلك عن من تحب فقط خمس دقائق، وأن لقاء المحبين شكل من أشكال الحياة. وأن لنا جميعاً عزيز وغالي يرقد بقبر وأضحى بيد رب العالمين. وأن رضى الوالدين بركة وحب الاخ لأخيه نعمة وأن الخداع والنفاق واللف والدوران والطعن بالظهر مش شطارة بل سلاح الضعيف المهزوم وأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، وأنت إنسان وجدت كي تعيش حياه وليس كتعيش نصف حياة (جبران خليل جبران).

والله أكتر من متر بمترين ما رح يطلع للواحد بالاخر والله يعطينا حسن الختام خلينا نرجع للمبادئ الي إحنا تأسسنا عليها ونورث قيمنا الى الاجيال القادمة بلاش يصير أقصى طموح للشباب سهره يوم الخميس…. لأنه ماذا ينفع الانسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ (عيسى عليه السلام) .. فطين أنا.. كلما صافحتك نبت على كفي الياسمين (جلال الدين الرومي).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى