مقالات

ملكة وقاضية وتعاني تمييزا صارخا في سوق العمل !

2016-03-26-06-38-34-283-1.jpgأخبار الاردن – نبراس نيوز     – بقلم سارة السهيل :  شكلت حواء عمودا رئيسيا في  اعمار الارض وتنميتها  وتطويرها منذ بدء الخليقة حتى اليوم عبر العديد من  الادوار التي قامت بها بدءا من كونها زوجة وأم وصولا للمهن العديدة التي شغلتها كحاكمة ومربية ومعلمة وطبيبة وقاضية … وغيرها، ورغم ذلك لم تحظ  بالحقوق التي ينالها الرجل عند انجاز عملها وتعاني حتى ونحن في الالفية الثالثة للميلاد من الإساءة  في العمل والاضطهاد وعدم المساواة في الحقوق و الأجور رغم المواثيق الدولية التي تساوي بين الرجل والمرأة في العمل.
العجيب عند دراسة اوضاع المرأة عبر التاريخ، فاننا نفاجئ بأن المجتمعات البدائية  قد ميزت المرأة واعتبرتها رأس الجماعة تخطط وتشرف عليها وتحافظ على نظامها الاجتماعي والاقتصادي، كما كانت مسؤولة عن احلال السلام ومنع النزاع في حين للرجل دور يقتصر على الصيد والدفاع والحماية.
ومع تطور المجتمعات نسبيا تم تقسيم العمل بين سلطة الرجل وسلطة المرأة بما خلق نوع من تقسيم العمل لصالح الرجل، بسبب ـ كما يقول الدارسون ـ  ظهور الملكية الخاصة للارض التي أسست لسلطة الرجل وقوامته من حيث ان الملكية الخاصة تحتاج الى من يحميها او يسلبها.
وقد تباينت الحضارات القديمة في سلب المرأة حق العمل واعمار الارض بين من همشها ونظر اليها ولأدوارها نظرة دونية حقرت من انسانيتها وافقدتها الأهلية لأي عمل او مهنة، وبين من عظم أدوار المرأة في العمل والحياة الاجتماعية خاصة في الحضارات الفرعونية وبلاد الرافدين.
فقد كان للمرأة دور كبير في المجتمع العراقي القديم، ظهرت في حضارة بلاد الرافدين القديمة اول الشرائع المكتوبة مثل شريعة اورنامو وشريعة اشنونا، حيث اعطتا للمرأة اهمية كبيرة في نصوصها، وعظمت من الوزن الكبير للمرأة في الحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، حيث عززت شريعة بيت عشتار حقوق الزوجة المريضة والعاملة والعاقر، حسب المواد 22و 27 و 28. وكفلت شريعة حمورابي المتكاملة حقوق المرأة في العمل والطلاق والزواج والتملك.
وعملت النساء في الدولة البابلية والاشورية في مهن كثيرة ؛قاضيات وتاجرات وكهنة ومالكات أراضي زراعية كما استطاعت المرأة العراقية ان تصل الى منصب الملك لتصبح اول ملكة في التاريخ وهي الملكة سميراميس. وكانت خلال مدة حكمها تلك واحدة من أقوى ملوك العراق القديم، بمشروعاتها العمرانية والحضارية، وحملاتها العسكرية لتوسيع كيان الدولة الآشورية.
وكانت النساء  في الطبقة الحاكمة مساندات لأزواجهن من الامراء والملوك، مثل الاميرات (أورنانا) زوجة الأمير (أورنانشة) مؤسس سلالة لكش الاولى، و(برانامترا) زوجة الامير (لوكَالندا) حيث كانت تناط بهن مهمة الأشراف على المعابد ومجريات الطقوس الدينية فيها.
وأباح لها المجتمع السومري امتهان الكثير من الاعمال كالعمل في الحقول والمزارع، وكاهنة لخدمة المعابد وأدارتها، و طاهية وساقية في القصور ومغنية في الأفراح والمناسبات السعيدة، وندّابة للمآتم والأحزان وعازفة موسيقية .
كما امتهنت العديد من الحرف كالنسيج وخياطة الملابس، والصناعات الغذائية والبيتية وتحضير العطور، وأيضاً أدارة المحال والحوانيت التجارية والحانات، وعملت في الطب كمختصات بالقبالة وعمليات التوليد، وصناعة وتركيب الادوية وباقي المعدات والمستحضرات الطبية.
وامتهنت المرأة العراقية مهنة التعليم، كما عكسته الإلهة (نيسابا) التي منحت للمرأة دور رئيسي في انتشار التعليم، فالفتيات التحقن بالمدارس أسوة بالفتيان ليتخرجن بصفة كاتبات في المعابد والقصور والمدارس والمراكز التجارية ومراكز الأرشفة والتوثيق.

في مصر

الفرعونية قائدة وسيدة اعمال
تجمع كل دراسات الاثريين والتاريخين على ان الحضارة الفرعونية تكاد تكون الوحيدة التي منحت المرأة فيها حق العمل وقيادة المناصب الكبري واعمار الارض تقديرا لانسانيتها وايمانا بقدراتها العقلية والنفسية على الادارة والانجاز كآلهة وكملكة وقاضية وسيدة اعمال وطبيبة وقابلة وكوافيره وفنانه وفلاحة وعاملة في الصناعات اليديوية والحرفية كصناعة  الملابس والنسيج وغيرها .
شاركت المرأة الفراعنة فى العديد من المواقع العسكرية وانطلقت الحملة العسكرية على الصومال بأمر من " حتشبسوت" التى أرسلت الى ملك البلاد رسالة توضح فيها بأن هدف الحملة ليس عسكريا ولكنه هدف تجارى.
وشغلت المرأة منصب مستشارة الفرعون وكاتبة كما كانت السيدة "بيشيشت" رئيسة الاطباء لتسجل أول طبيبة في التاريخ المدون."
كما زاولت المرأة مهنة "تجارة الأعمال" الفعلية مثل "ني نفر" صاحبة أراضي شاسعة، وأملاك وعقارات مهمة في عهد الدولة الحديثة، وكانت توكل لوكلائها التجاريين بمهمة ترويج المنتجات التي ترغب في بيعها وتصدرها للقطر السوري.

نظرة دونية
أما المرأة في عصر الروماني لم يكن لها دور يذكر سوي كونها زوجة وأم كسيدة حرة اما الجواري فكن يعانين معاملة سيئة كانسانة فاقدة للاهلية وكان الفقهاء الرومان القدامى يعللون فرض الحجرعلى النساء بقولهم: لطيش عقولهن.
وظهرت في القرن الثاني الميلادي، وثائق تشير الى اشتغال المرأة التجارة وإدارة الأعمال  وإدارة الضيعات الضخمة، مثل "بودنتالا" زوجة  الكاتب " أبوليوس". واخريات امتلكن أموالا طائلة دعمن بها  نفوذهن ومراكزهن الاجتماعية، بانفاقها علي  تشييد مباني عمومية تحقيقا لأغراض سياسية وتوجد وثائق تتكلم عن وجود طبيبات نساء متتدربات ومتعلمات. إضافة الى وجود كاهنات نساء لممارسة الطقوس الدينية في المعابد ومع الاباطرة.
بينما شغلت النساء  العصور الوسطى في اوربا عدد من المهن مثل الفلاحة والحرفية والراهبة، وكذلك شغلت بعض الأدوار القيادية الهامة مثل رئيسة دير أو ملكة حاكمة.

المرأة العربية
المجتمع الجاهلي رغم وأده للمرأة الا انه منح للاحرار منهن فرصا للتجارة فعملت السيدة خديجة بنت خويلد زوجة الرسول بالتجارة في الشام، كما كانت المرأة في العصور الاسلامية الاولي فقيهة مثل السيدة عائشة  وقاضية حسبة مثل الشفاء بنت عبد الله المخزومية ،ومعلمة مثل السيدة نفيسة التي كانت  تعلم الأئمة وتتلمذ الإمام الشافعي على يديها، السيدة سكينة بنت الحسين رضى الله عنهما كانت تـنـقد الشعر بينما كانت السيدة زينب بنت الامام علي بن ابي طالب مرجعا اساسيا لشرعية مشاركة المرأة  في العمل السياسي .
وفي القرن الثالث عشر الميلادى أسست (شجرة الدر) بعد الانتصار على لويس التاسع في المنصورة اسست دولة المماليك، ووضعت سياسات الدولة وسيرت الجيوش ووضعت الخطط الحربية والإشراف على تنفيذها ومراقبة المعارك

نضال العصر الحديث
وقد ناضلت المرأة في العصر الحديث لتحظي بشرف العمل في كل الميادين الحيايتة بدءا من الثورة الفرنسية 1789 فطالبت بحقها في توسيع فرص التعليم والمساواة القانونية في العمل وتولى الوظائف الحكومية ورفعت عدة شعارات منها " إذا كان يحق للمرأة أن ترتقي منصة الإعدام فمن حقها ايضا أن ترتقي المنبر المرأة "
وبمثل هذه الشعارات التي اجتاحت دول أوروبا وأمريكا في القرن الثامن عشر، انطلقت الحركة النسائية في أوروبا تطالب بعد أن نزلت إلي ميدان العمل وما صاحبه من تغيرات بتوفير دور للحضانة ورعاية الأطفال والحق في الأجر المتساوي وفي تشريعات تحمي النساء العاملات، وحق الملكية، الطلاق، وحق التعليم العالي وممارسة المهن الطبية وحق الانتخاب والترشح.
وفي أمريكا عام 1848 عقد في " سينيكا فولز " أول مؤتمر للنساء لتحسين اوضاعهن غير انه صادفن تعنت الأنظمة الحكومية في الرد علي حقوقهن العادلة.
بداية القرن العشرين خرجت مواثيق الأمم المتحدة تحث المجتمع الدولى على مساواة المرأة  بالرجل دون أي تمييز وتطور الاعتراف بدور المرأة وعملها دون تمييز خاصة في " المؤتمر العالمى الأول للمرأة في المكسيك 1975" وأعلنت الأمم المتحدة السبعينيات عقداً للمرأة وصدرت في هذه المرحلة الاتفاقية الدولية للقضاء على التمييز ضد المرأة كما أنشئ الصندوق الانمائى للمرأة وايضا مركز تدريب ودراسات المرأة  التابعين للأمم المتحدة، وصولا إعلان فيينا 1993 الذي ناهض  التمييز ضد عمل المرأة.
وبالرغم من أن كل هذه المؤشرات والجهود الدولية تشير إلى بعض مظاهر الانصاف للمرأة خاصة من خلال التشريعات والدساتير إلا أن حوادث العنف زادت وانتشرت في المجتمعات ضد عملها.
ومع فرص التعليم التي اتيحت للمرأة العربية فانها قد عملت في العصر الحديث في معظم المهن كمعلمة وطبيبة ومهندسة وفنانة وصحفية وبرلمانية ومناضلة سياسية وضابط شرطة وانتزعت حقها مؤخرا في العمل كقاضية ومأذون شرعي وهما مهنتان كانتا محرمتين علي المرأة في معظم الاقطار العربية .
ورغم ان المواثيق الدولية كفلت حق المرأة في العمل على أساس المساواة الكاملة مع الرجل. مثل المادة 23 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ان النساء في الشرق والغرب يعانين من التمييز فى الاجور وفي تقلد المناصب كما يتعرضن للمضايقات والتحرش، مما قد يدفع بعضهن للتضحية بعملها.
والحقيقة ان النساء في العالم يسيطرن علي مهن مثل التمريض والخدمة الاجتماعية وفي القطاعات الحكومية يتركز عملهن في المهن الكتابية وأعمال السكرتارية، ونادراً ما يشغلن وظائف إشرافية، فضلاً عن محدودية فرص الترقي وتبوؤ مناصب عليا، وفي مقابل ذلك يتضاءل نصيب المرأة العربية في قطاع التصنيع، ويكاد ينعدم في المجال العسكري.
وتنص قوانين العمل في العالم العربي على حماية المرأة من الأعمال الشاقة، وتوفير سبل الراحة إذا قامت بمثل هذه الأعمال مثل إيجاد وسيلة للتنقل، وتأمين حضانة لأطفالها تكون قريبة من مقر عملها وعلى نفقة جهة العمل، وحقها في إجازة الأمومة، غير أن هذه القوانين عادة ما يتم تجاهلها.

مناهضة التمييز
‏ان قضية التمييز ضد المرأة في سوق العمل تتطلب قيام المجتمع الدولي في رسم سياسات فاعلة وعملية لتطبيق القوانين والتشريعات التي تكفل عدم التمييز ضد المرأة في العمل، بما في ذلك من نشر حقوق المرأة في العمل بمبدأ المساواة في الحقوق والواجبات في المجتمعات الشرقية والغربية واستحداث أدوات قانونية لمحاسبة من يقصر في منح المرأة حق العمل وفقا لمبدأ تكافؤ الفرص بما في ذلك مقترحات تعميم وحدات تكافؤ الفرص لمكافحة التمييز ضد المرأة في جميع الوزارات وتفعيلها‏.‏
استثمار مؤسسات الدول الدينية والثقافية والاعلامية والقانونية في خلق بيئة من المساواة القانونية تشمل القانون العرفي أيضا  في وضع مبادئ وقواعد قانونية عامة لمناهضة التمييز.
وفي تقديري، ان اشراك المرأة في صنع القوانين قد يسهم في معالجة تقييم الوظائف والتمييز الصارخ مثل التفاوت في الأجور والفصل المهني ، بجانب ضرورة  انشاء هياكل أدارية وقضائية تختص بتطبيق بقانون العمل، ودعم إدارات تفتيش العمل المسئولة عن تطبيق أحكام المساواة .

وتبقي الحاجة ماسة  لانشاء هيئة متخصصة لمساعدة ضحايا التمييز من النساء في كل دول العالم ومعالجة شكواهن والفصل  فيها، علي ان تضم هذه الهيئة أعضاء من المنظمات النسوية المهتمة بعمل المرأة ونقابات العمل وأصحاب العمل ووزارة العمل ووزارة شؤون المرأة وتقوم هذه الهيئة بجمع المعلومات ونشرها وتحليل التشريعات والسياسات وتنفيذ خطط العمل وتقديم المواد وتوفير التدريب للنساء وتكون لهذه الهيئة صلاحيات شبه قانونية للنظر في شكاوى المرأة العاملة والتمييز ضدها.
وللاعلام دور حيوي في نشر ثقافة مناهضة التمييز ضد المرأة في العمل عبرتحسين صورة المرأة، وابراز نجاحاتها العملية وخدمة قضاياها وحل مشكلاتها‏.‏

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى